عبد الشافى محمد عبد اللطيف
67
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
بعيدة جدّا عن الاحتمال ؛ لأن قصة مجيئهم في عهد موسى عليه السّلام أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ الصحيح ؛ لأنها تحكي أنهم دخلوا الحجاز - ويثرب بصفة خاصة - مهاجمين محاربين ، وهذا لا يتناسب مع جبنهم - في الفترة نفسها - عن دخول فلسطين مع موسى عليه السّلام ، كما يقص علينا القرآن الكريم ( المائدة : 23 - 26 ) . فلا يعقل أن يجبنوا عن دخول فلسطين ثم يهاجموا الحجاز ، خصوصا وأن القرآن يتحدث عن تيههم في صحراء سيناء قبل دخولهم فلسطين ( مع يوشع بن نون ) ، والقرآن الكريم هو مصدرنا الرئيس عن تاريخ اليهود في جزيرة العرب « 1 » ، وإنما الأقرب إلى المنطق والقبول ذلك الرأي الذي يذهب أصحابه إلى أن مجيء اليهود إلى الحجاز بدأ منذ القرن الأول بعد الميلاد ، بعد أن اشتد ضغط الرومان عليهم ، فهاجر بعضهم إلى الحجاز وسكنوا يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى ، وهي منطقة الواحات والوديان - الصالحة للزراعة - الواقعة بين يثرب وفلسطين « 2 » . وبناء على اعتماد ذلك الرأي تكون جنسية يهود الحجاز محددة بأنهم إسرائيليون ، أي : ينتسبون إلى إسرائيل - وهو يعقوب عليه السّلام - لأن الآيات القرآنية التي تحدثت عنهم قد نسبتهم صراحة إلى إسرائيل دون استثناء . « وربطت بينهم وبين بني إسرائيل الأولين من لدن موسى ، بل من لدن يعقوب - الذي كان إسرائيل اسمه الثاني - على ما ذكره سفر التكوين » « 3 » . لذلك لا عبرة بما يذهب إليه بعض المؤرخين من أن يهود يثرب كانوا عربا تهودوا « 4 » ، أي : اعتنقوا اليهودية . أما عرب المدينة - الأوس والخزرج - فينتمون إلى قبائل الأزد اليمنية التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب وتدهور الأحوال الاقتصادية فيها ، وأرجح الأقوال أن مجيئهم إلى يثرب كان في حوالي أواخر القرن الرابع الميلادي « 5 » . ومعنى ذلك أن وصولهم إلى يثرب كان لاحقا على وصول اليهود إليها ، الذين كانوا أصحاب النفوذ والثروة فيها ، ومع ذلك فقد قبلوا سكنى العرب معهم في يثرب على مضض ، وتراوحت العلاقات بينهم من الصراع إلى الحلف
--> ( 1 ) جواد علي - تاريخ العرب قبل الإسلام ( 6 / 513 ) . ( 2 ) أحمد إبراهيم الشريف ، المرجع نفسه ( ص 307 ) . ( 3 ) محمد عزة دروزة ، تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ، ( بيروت : المكتبة العصرية ، 1389 ه / 1969 م ) ، ( ص 423 ) . ( 4 ) انظر تاريخ اليعقوبي ( 2 / 36 ) . ( 5 ) أحمد إبراهيم الشريف - المرجع نفسه ( ص 315 ) ، وابن رسته ( ص 64 ) .